الجمعة، 3 أكتوبر، 2008

اسكندريه رايح جاى

اسكندريه رايح جاى

لم تكن الاسكندريه بالنسبة لى كما اسمع من الجميع .. فالاسكندريه ليست معشوقة الجميع .. بل معشوقتى وحدى

فاسكندرتى تختلف عن اسكندرية الجميع .. فهى تلك المدينه التى قضيت فيها طفولتى و اسعد لحظات حياتى

فهى المكان الذى به اشخاص كثيرون احبهم و يحبوننى بدون اى نفاق أو مصلحة ما

تعودت دائما ان اكون مبتهجا فى الاسكندريه .. بمجرد رؤيتى للشوارع و الازقه و المقاهى و الناس و الاسواق و الاقارب و الاصدقاء

لكن هذه المره كانت مختلفه

لم اتخيل يوما أنى قد اكون فى الاسكندريه انظر الى البحر من وراء القضبان .. و اشم نسيمه و لا استطيع النداء عليه

كنت قديما ابوح لصديقى البحر بكل آلامى و احزانى و كان يتقبلها بصدر رحب و يدفنها داخله متقبلا .. كان يكفى ان اجلس ليلا على صخور بير مسعود و انظر الى السماء حتى اتحول لشخص أخر

فى مساء يوم 23 يوليو جلست على مقهى بجانب شريط قطار ابوقير مع بعض الزملاء الناجين من عملية الاعتقال... كنا نلهث من المطاردات و رغم الاحزان لكننا شكلنا غرفة عمليات للاتصال بالمحامين و رواية التفاصيل و متابعة الزملاء المعتقلين و الاتصال بالصحافه ووكالات الانباء و اصدقاءنا المدونين و مراكز حقوق الانسان المصريه و الدوليه ... و فجأه سمعت صوت ما يشبه العويل و النحيب يأتى من بعيد حتى اصبح عاليا

كان هذا صوت قطار ابو قير الذى كنت اركبه منذ صغرى و لكن صفارته هذه المره تشبه عواء ذئب جريح يبكى بقوه.

جلست بعدها احاول استعادة احداث ذلك اليوم ..فلم اكن اتخيل ان يتطور الموضوع الى هذه الدرجه وكنت حريصا على الا يحدث هذا الموقف لاى شخص

لكن الامور تطورت سريعا لا اعرف متى او كيف ربما بدأت التفكير فى الامر عندما بدأت اشرب كوب خروب كلية الطب بعد مطارده طويله لى فى شوارع الاسكندريه بعد مظاهرة اهالى طوسون ..رغم كل تعبى وقتها ولكنى بدأت الاستمتاع بالاسكندريه ووجدت عندى القدره على التفكير مرة اخرى بعد تلك الاحداث المتلاحقه

لم اشأ ان اشوه ثوانى بدايه استمتاعى بالاسكندريه بأى تفكير وبدأت ارشف باستمتاع كوب الخروب .....

حتى فوجئت بخمسة ظباط أمن دوله يحيطونى مره واحده ويعيقون حركتى

تعالى معانا .....اركب .

عجزت عن المقاومه بسبب التكتيف والعنف والسرعه و المفاجئه.

وجت نفسى داخل سيارة زرقاء رتمو على ما اعتقد.

  • انت بقى احمد ماهر ....يا مرحب يا زعيم
  • يصيح الا خر بعنف .. انت ممكن تتهرب منهم هناك فى مصر بس عندنا فى اسكندريه......انسى
  • بدأت ارد ببرودى المعهود المفيد جدا فى هذا الموقف
  • اهرب فين بس قبل ما شوفكوا .......ده انا حتى كنت مستنيكم
  • ههههههههه...هاتشوف كل حاجه نفسك فيها ....احنا برضو لازم نوجبو معاك دة انت مدوخنا وراك ياراجل من امبارح.......بس هاتروح فين
  • يتكلم كبرهم فى التليفون ...اية يا باشا لقينا احمد ماهر هانطلعو دلوقتى على هناك ...افتح السكه الطريق زحمه

يبدأ الضابط الذى يكتف يدى فى خف يده تدريجيا مع ابتسامى المتكرر ويبدأ اخر فى تفتيش متعلقاتى و يختطف أخر تليفونى ....

*مين الى بيتصل بيك ده يا احمد

* اكيد صحفى او محامى..... بس لو سمحت التليفون دة كان فى امن الدوله فى مصر وكل الارقام الى عليه معروفه فياريت يرجع تانى علشان عليه ارقام الشغل و ارقام مهمه

* انت فاكرنا حراميه ولا ايه .... هانرجعهولك امانات

*ما انتوا كل مره بتقولوا كده برضه و فى الاخر بتختفى الحاجات دى

*انسى اى حاجه قبل كده احنا حاجه تانيه...هع هع هع هع

لحظات صمت طويله اثناء سير السياره فى الشوارع المزدحمه ابدأفى التفكير اخيرا و صوتين يتناقشان بحده شديده داخلى ..* لماذا لم ترحل من الاسكندريه بعد اعتقال زملاءك

*و اسيبهم ازاى يعنى؟؟

* انت اصلا فقر .. يعنى عرفت تفلت و تقوم ترجع برجليك تانى

* ما كانش ينفع امشى .. كنت هازعل من نفسى قوى

* يابنى انت غبى .. انت هاتعرف تفيدهم من بره احسن بكتير من جوه

* لا لا انت اللى مش فاهم .. انا عملت كل دورى بتاع بره امبارح و زى الفل .. بس اكيد ربنا مرتب انى اكون معاهم جوه .. اكيد هما محتاجيننى معاهم .. دول كلهم لسه أول مره يتحبسوا

* يعنى عاجبك انك هاتتحبس تانى و يمكن تتعزق علقه زى المره اللى فاتت أو الحبسه تطول و شغلك يضيع زى كل مره ... عاجبك الملل و القرف اللى جوه السجن

* أكيد مش عاجبنى.. افهم بس .. اللى حصل اساسا من امبارح الصبح كان غريب .. كل السيناريو اللى اتحضر من فتره طويله اتغير فجاه لسيناريو يبان انه مش مترتب .. بس الغريبه انك لو فكرت شويه هتلاقى كل الاخطاء اللى حصلت ليها فوايد كتير .. من اول فشل تأمين اليوم لغاية تغيير خطة اليوم لغاية اعتقال البعض و نجاة البعض لغاية اعتقالى دلوقتى .. و انى ليه ما رجعتش مصر رغم انى عارف انهم بيدوروا عليا فى اسكندريه .. كل تصرفاتنا كانت غريبه بس سبحان الله هى جت كده.

* اقعد بقى اتفلسف و برر لنفسك

* بقولك ايه .. مش عايز دوشه .. ياللا امشى دلوقتى .. ورايا يوم طويل .. و ابقى تعالى فى السجن نفكر مع بعض .. ولا اقولك .. ماتجيش خالص مش عايز وجع دماغ .. انا فى السجن بحب انام و استجم

تمر الاحداث سريعه بعد ذلك من قسم باب شرق لقسم الرمل لنيابة الرمل ... و الغريبه هو ان المعامله كانت محترمه من الجميع باستثناء طبعا لحظات الاعتقال الاولى .. واضح انهم كانوا مستعجلين قوى

فى النيابه أجد أن وكيل النيابه يضحك اثناء تلاوة التهامات

انت تهمتك يا احمد انك أسست تنظيم يهدف لقلب نظام الحكم عن طريق الفيس بوك و مولت من جيبك طباعة منشورات و تيشيرتات .. و قمت بتوزيع الادوار انت و مسئول الحركه فى الاسكندريه احمد نصار بغرض القيام بمظاهره لتكدير السلم العام و اثارة البلبله و تعطيل المرور... نفس الاتهامات المحفوظه .. و اجبته بنفس الاجابات المحفوظه

رجعت للزملاء فى الترحيلات.. و كانت فرحة اللقاء و الاطمئنان ... جلس كل منا يروى للجميع ما حدث معه .. كيف اعتقلوه و كيف عذبوه .. الغريبه اننا كنا نحكى و نضحك رغم الالم

قضينا جميعا وقت ممتع فى سجن برج العرب.. أعتقد ان هذه الحبسه هى المثاليه من حيث التجانس و الود و المحبه و القدره على الاستمتاع بكل الاحداث مهما كانت مؤلمه

قابلنا مناضل عظيم مثل مسعد ابو فجر كان بمثابة اخينا الاكبر ... لن ننسى زملاء السجن الذين اهتموا بنا و اعانونا و خففوا عنا ما نحن فيه بكل طاقتهم و عاملونا كالاهل و ربما اكثر

لن انسى ابتسامة الرقيق كريم عامر ولا جدعنة اهالى المحله اصحاب الاضراب ولا فخر معتقلى الاخوان بنا و اصطفافهم لتوصيلنا حتى باب السجن يوم خروجنا فيما يشبه التشريفه

كانت تجربه زادتنى معرفه و خبرات كثيره و كان الاهم اننا استطعنا داخل السجن و خارج السجن ان نفكر بعمق و يقترب كل منا من الاخر.. و ان نذيب أى خلافات موجوده او مدسوسه

كان اهم مكاسبنا اننا عدنا

اغسطس 2008

ليست هناك تعليقات: