الخميس، 6 مارس، 2008

ليس حنين للملكيه .. لكنه حنين للحريه

ليس حنين للملكيه .. و لكنه حنين للحريه
رغم الاحتلال البريطانى الذي كان جاثما فوق صدور المصريين لسنوات طوال .. و رغم كل الاخطاء التى حدثت في تلك الحقبه الثريه من تاريخ مصر العظيم.. و رغم كل المساوىء التى سمعنا عنها منذ طفولتنا و الفشل في بعض المجالات و سوء توزيع الدخل و مظاهر الظلم الاجتماعى و هي تلك الاشياء التى ابرزها و ضخمها ذلك الانقلاب العسكرى الذي قام به الضباط الاحرار في يوليو 52… و تلك المساوىء بالفعل إن صح الكثير منها فإنها بالتاكيد لا تقارن بما هو حاصل الأن
فالمتابع الجيد للتاريخ سيجد ما هو حاصل الان أسوا بكثير من كل الحجج التى برر بها الضباط الاحرار انقلابهم و خلعهم للمك فاروق.. فنحن الان نعيش فى عصر الصفر الكبير فى جميع المجالات بداية من صفر الرياضه لصفر السياسه لحقوق الانسان للديمقراطيه… للإنهيار الاقتصادى و غياب العداله الاجتماعيه .. للعشوائيه فى اتخاذ القرارت.. لصفر التعليم و الصحه و الخدمات .. و الصناعه و التجاره .. و طبعا صفر المكانه الدوليه بين الامم
لا ننكر بعض الانجازات التى قام بها نظام يوليو من تحقيق لمبدا العداله الاجتماعيه التى كان الشعب فى حاجه بالفعل اليها… و لكنهم كانوا قادرين على تحقيق بدون خلع للملك كما اوضحت الاحداث التاريخيه بعذ ذلك.. حيث عرض عليهم الملك تشكيل للحكومه أو تعديل الدستور و تقليل صلاحيات الملك.
و لكن بريق السلطه و حب الاحتفاظ بها هو الذى ادى لطردهم للملك الذى لم يتشبث بكرسيه حفاظا على مصر… و اغراء السلطه هو الذى ادى بهم للنكوص عن مبادئهم التى نادوا بها و التى كان من ضمنها اقامة حياه ديمقراطيه سليمه و محاربة الفساد و اعوانه.. فقتل الديمقراطيه و تقديس الحاكم هو الذى ادى للنكسه و الفساد والظلم الاجتماعى و انهيار مصر فى كافة المجالات
و إن كان لنظام يوليو بعض الانجازات التاريخيه و بعض المشروعات القوميه التى افادت مصر.. فإنه هو المسئول أيضا عن الكارثه التى نعيشها الان
و اتضح ذلك جليا بعض عرض مسلسل الملك فاروق فى رمضان الماضى .. فقد صاحب عرض المسلسل جدل مستمر حتى الان بسبب كشفه للكثير من الحقائق التى طمسها نظام يوليو و أعوانه من المضللين حتى الأن
و قد رصد العديد من الكتاب و المفكرين لمظاهر الحياه فى مصر قبل الثوره من خلال قراءات تاريخيه مستقله مثل د/لميس جابر.. أو معايشه حيه مثل الشاعر العظيم احمد فؤاد نجم .. و بالطبع هناك العديد من الكتاب المحترمين الاخرين
فمثلا فى رصد د/لميس جابر لمظاهر الحياه فى مصر قبل الثوره و فى حديثها عن سعد زغلول تروى لنا
- عندما قرر سعد أن يدخل انتخابات عام ١٩٢٦، وكان وقتها إسماعيل صدقي هو وزير الداخلية في وزارة زيوار باشا التي أطلق عليها الشعب «وزارة إغراق ما يمكن إغراقه»، وكان صدقي باشا قد قطع عهداً علي نفسه للملك فؤاد أنه لن ينجح وفدي واحد مادام هو وزيراً للداخلية وكان له فضل الريادة في تزوير ثاني انتخابات في التجربة الليبرالية المصرية…
وقرر سعد دخول الانتخابات وقرر التحدي بنفس أسلوب صدقي باشا وسط دهشة الوفديين الذين كانوا متأكدين من النتيجة.. طلب سعد من عدد كبير من الوفديين أن يتركوا الوفد ويدخلوا الانتخابات كمستقلين، وأن يذهب بعضهم لصدقي باشا ويحلفوا له بأغلظ الأيمانات أنهم طلقوا سعد بالثلاثة، وشربها صدقي باشا وتركهم لينجحوا ويدخلوا إلي البرلمان بينما سقط كل مشاهير الوفديين من النحاس ومكرم والباقين وبالطبع لم يستطع أن يفعل شيئاً مع سعد زغلول في دائرة السيدة زينب فنجح رغماً عن أنف الجميع وفي أول يوم لانعقاد البرلمان صباحاً تم إعلان نتيجة انتخاب رئيس البرلمان بفوز سعد زغلول ورفعت الجلسة لتعود للانعقاد في الخامسة لاختيار الوكيلين والسكرتارية ومتابعة الأعمال..
وفوجئ الملك فؤاد واللورد اللنبي وذهل زيوار باشا وصدقي باشا وفي جلسة الخامسة مساءً أعلن حل البرلمان بقرار دستوري من الملك فؤاد وكان أقصر برلمان في التاريخ «تسع ساعات» فقط لا غير وضحك سعد وقال إنه كان يريد أن يثبت لصدقي باشا أن المصريين لا تجمعهم صفارة ولا تفرقهم عصا كما قال..
وعرف الملك فؤاد أن القضاة لم يسمعوا لتهديدات صدقي باشا وأنهم لم يزوروا الانتخابات وأن الضباط المشرفين علي اللجان الانتخابية قد سمحوا بدخول فلاحي سعد إلي اللجان وأنهم لم يمنعوا أحداً وعنف صدقي باشا بشدة، واتهمه بالخيبة التقيلة وفجأة قرر سعد زغلول أن حل البرلمان باطل دستورياً وأن من حق البرلمان أن يجتمع من تلقاء نفسه سواء دعاه الملك إلي الانعقاد أم لا في السبت الثالث من نوفمبر.. تسرب الخبر إلي زيوار وصدقي والملك وبدأوا العمل في همة شديدة وتقرر إغلاق البرلمان بالسلاسل ومحاصرته بقوات من البوليس وتقرر حصار شارع سعد بوضع المتاريس علي أول الشارع عند تقاطعه مع شارع قصر العيني وحصار بيت الأمة نفسه، ووقفت قوات البوليس أمام البوابة.. ورغم كل هذا قرر سعد الخروج من بيت الأمة… إلي أين؟ إلي اجتماع البرلمان.. ولكن البرلمان محاصر… لن نجتمع في البرلمان… أين إذن؟
في فندق الكونتننتال وكل النواب قضوا ليلتهم هناك في انتظار الاجتماع وطلب الوفدون أن يخرجوا مع سعد من بيت الأمة ويلتفوا حوله لحمايته ولكنه رفض بإصرار.. وخرج بمفرده.. وعندما أطل علي الضابط الذي يرابط أمام المنزل رفع سعد يده محييا فانتقض الضابط وأدي التحية العسكرية وأمر الجنود فأدوا التحية العسكرية وأمر الضابط بفتح الطريق وأطاع الجنود وهم سعداء..
وركب العربة وعند شارع القصر العيني وأمام المتاريس أخرج سعد رأسه وألقي بالتحية علي الضباط فأزيلت المتاريس وهتف الجنود المرابطون بحياة سعد وسارت العربة حتي ميدان الأوبرا حيث فندق الكونتننتال… وفوجئ سعد بالجماهير المحتشدة التي تهتف باسمه ولم يعرف سعد نفسه من أين جاءوا وكيف عرفوا ولعنت الجماهير الملك ونشأت باشا الملك الصغير.. وصعد سعد درجات سلم الفندق وسط حشود النواب التي تنتظر مجيئه والتفت للجماهير العاشقة التي التهبت حناجرها بالهتاف باسمه حتي وصل الهتاف للدور الثالث حيث يقيم زيوار باشا رئيس الوزراء والذي فوجئ ولم يفهم ماذا يحدث.. وكيف حدث ونادي علي حارسه الذي يقف خارج الحجرة ودعاه للنظر من النافذة وسأله.
زيوار: تعالي يا ابني بسرعة… مين دول؟
الحارس: دول ؟ دول الشعب يا دولة الباشا
زيوار: بيقولوا يحيا سعد يا دولة الباشا
زيوار: يا ابني ما أنا متهبب سامع… الجيش والبوليس فين؟ ما ضربوش فيهم ليه؟
الحارس: ما هو يا دولة الباشا… الجيش والبوليس هما كمان بيقولوا يحيا سعد!
كل هذا الثراء السياسي والحماس والوعي الجماهيري ونسمع من يتقول بأنه عصر من عصور الانحطاط… فعلاً ما أحلي الانحطاط
و فى عندما سافر سعد زغلول لإجراء مفاوضات مع رئيس حزب العمال البريطانى و رئيس الحكومه البريطانيه طالب سعد الإنجليز بالآتي:
١- سحب جيمع القوات البريطانية من الأراضي المصرية.
٢- سحب المستشار المالي والقضائي.
٣- زوال أي سيطرة بريطانية علي الحكومة المصرية في الشؤون الخارجية.
٤- عدول الحكومة البريطانية عن دعواها حماية الأجانب والأقليات في مصر.
٥- عدول الحكومة البريطانية عن دعواها في الاشتراك بأي طريقة كانت في حماية قناة السويس.
٦- تحقيق مطالب مصر في ملكية السودان.
وفي هذه النقطة أكد سعد أن الحكومة البريطانية «حكومة غاصبة» وأنه لا يردد فقط رأي البرلمان المصري بل رأي الأمة المصرية كلها.. رفضت مطالب مصر في السودان بالتحديد.. وقطع سعد المفاوضات في اليوم الثالث لها وقال مقولته الشهيرة «لقد دعونا إلي هنا لكي ننتحر ولكننا رفضنا الانتحار وهذا كل ماجري».. وعاد سعد إلي مصر في ٢٠ أكتوبر ليجد محاولات ومؤامرات عديدة في انتظاره لاسقاط الوزارة بحجة فشل المفاوضات،..
استقال توفيق نسيم باشا من الوزارة مبدئيا ثم قامت مظاهرات من الأزهريين تهتف للملك فؤاد وقالوا «لا رئيس إلا الملك» بعد أن كانوا يهتفون «لا رئيس إلا سعد» وكان من الواضح جدًا أنها مدبرة، لأن الأزهريين كانوا من أشد مؤيدي سعد من قبل.. قرر سعد الاستقالة وذهب إلي قصر عابدين ليقدمها للملك عندما وصلت عربة سعد كانت ساحة عابدين قد تحولت إلي كتلة بشرية رهيبة من كل الأعمار والطبقات والمدارس حتي الابتدائية وشقت العربة طريقها وسط الجماهير في صعوبة بالغة حتي تصل إلي باب السراي، وسط هتافات صارخة لسعد.
في مكتب الملك فؤاد جلس سعد هادئًا، وقال للملك إنه يريد أن يستقيل لأن حالته الصحية لم تعد تسمح بكل هذا المجهود.. توجس الملك وأخذ يسأل عن صحة سعد في اهتمام مبالغ فيه، ويعرض عليه مشورة أطبائه الإيطاليين.. شكره سعد وصمم علي الاستقالة..
أخذ الملك في الإلحاح في بقاء سعد في الوزارة، منافقًا بأداء تمثيلي واضح حتي اشتد غضب سعد وعلا صوته صارخًا بأنه رجل حر وصريح ويلعب علي المكشوف في النور وليس في الظلام، وأن الدسائس والمؤامرات المدبرة لا تصلح معه.. فزع الملك وصمت غاضبًا وفي لحظات الصمت القليلة تسرب إلي سمعه صوت هتاف الجماهير «سعد أو الثورة».. علت الأصوات وأصبحت واضحة هادرة.. قطع سعد الصمت وطلب من جلالة الملك أن يسمح بفتح النافذة لأنه يشعر بضيق في أنفاسه ويريد بعضًا من الهواء المنعش..
نظر له الملك فؤاد وقال: استريح يا باشا.. أنا سامع.. طلباتك إيه؟، أملي سعد طلباته أن توكل كل شؤون الأزهر للحكومة وليس للسراي واعترض علي تعيين حسن باشا نشأت رئيسًا للديوان الملكي بالنيابة، دون إذن الحكومة، وطالبه بإلغاء أوسمة ونياشين ضباط الجيش في السودان لأنه كافأهم علي قمع المظاهرات الشعبية في السودان، التي كانت تنادي بوحدة وادي النيل.. غضب الملك بشدة، فتنازل سعد عن نشأت باشا بعد أن وقع علي قرار تعيينه ولكن تشبث بباقي المطالب..
حاول الملك أن يناور ويساوم لكن أصوات الجماهير أخذت تعلو «سعد أو الثورة» وقال سعد بهدوء: إذا كان مولانا غير موافق فلنستشر الشعب وكانت هذه العبارة تشعل غضب الملك فؤاد، لأنه يعلم جيدًا أن سعد هو الشعب والشعب هو سعد.. وافق علي مضض.. فأخرج سعد ورقة وقال إنه يتبقي شيء صغير.. تعديل بسيط في الوزارة بعد استقالة نسيم باشا.. وقرأ الملك المرسوم ووجد اسم «علي الشمسي»..
انتفض واقفًا وقد فاق الأمر احتماله، لأنه كان قد رفض تعيين علي الشمسي في أول تشكيل للوزارة بحجة أن والده كان من أنصار عرابي.. وتنازل وقتها سعد عن علي الشمسي من أجل مطالب أخري.. ولكنه لم ينس وفي هذه اللحظة أعاد تعيين علي الشمسي وكأنه يصفع الملك ليعلمه الأدب.. صعدت الدماء في نافوخ الملك غيظًا وكمدًا، ولكنه وقع علي المرسوم، بينما الهتافات مازالت تدوي «سعد أو الثورة» خرج سعد وقال للحشود الغفيرة لقد تعطف مولانا وقبل مطالب الشعب».. فتحولت الجماهير في لحظة وهتفت «يعيش الملك يحيا سعد
انه ليس حنين للملكيه كما ادعى البعض … فالملكيه يتم الاعداد لها و بدات بالفعل
و ليس حنينا لعهد الاستعمار … و لكنه حنين للحريه و الديمقراطيه التى كانت وليده و بحاجه للنمو و النضج مع زيادة جرعات العداله الاجتماعيه .. او بالاصح الانتظار حتى تعدل التجربه نفسها بنفسها و تثمر الاحتجاجات و الاحداث الجسيمه فى نهايات الاربعينات و بدايات الخمسينات عن ثوره شعبيه حقيقيه تعدل من النظام الاقتصادى الموجود آنذاك نحو مزيد من العدل فى توزيع الثروات و مراعاة البعد الاجتماعى و مزيد من الديمقراطيه
ghosty

ليست هناك تعليقات: